كان المخرج العالمي مصطفى العقاد حصيفًا وذا رؤية شاملة حين اختار صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد للأذان وتلاوة القرآن بأفلامه الإسلامية؛ حيث اعتبره الصوت الذي أجمع عليه المسلمون بكل ما يحمله من الجلال والجمال المطلوبين لتحقيق رسالة الإسلام إلى العالم؛ ولهذا كان الشيخ بحق يستحق لقب "صوت عموم المسلمين"، كما أطلقه عليه الكاتب الكبير محمود السعدني.
الأحد الماضي مرَّت ذكرى وفاة الشيخ عبد الباسط، وقد استقبلها رواد السوشيال ميديا استقبالًا حافلًا؛ وكأن الشيخ الجليل قد توفي أمس وليس منذ سبعة وثلاثين عامًا كاملة.. فقد شارك الجميع بنشر ألبومات صور للشيخ من معظم الدول التي زارها، بأناقته اللافتة، وابتسامته العذبة، وهيبته القرآنية التي تفرض سطوتها على الجميع، وتلاوته التي تنتزع: "الله الله" باكية من أعماق قلوبهم؛ ولو بلسان أعجميّ لا يُبين.
ولم يكن الواقع الافتراضيّ إلا صورة للواقع الحيّ الذي يشهد بتمكّن صاحب الحنجرة الذهبية من قلوب المحبين؛ وعند كل ذكرى يجتمع المئات من محبي الشيخ، يتقدمهم عشرات الطلاب الأجانب الدارسين بالأزهر وممثلو الدول الإسلامية، حول أسرته بمسجد الحامدية الشاذلية بالمهندسين للاستماع إلى تلاواته النادرة، وإحياء ذكرياتهم مع صوت الشيخ، وإلقاء الكلمات الغامرة في محبته ومدى تأثيره في نفوس المسلمين.
***
"تريند" الشيخ عبد الباسط، يؤكّد أننا قد أدركنا أخيرًا حجم قوتنا القرآنية الناعمة التي بلغت الآفاق، ولا تزال تؤثر في المسلمين في كل بقاع الدنيا؛ ومن يأتي الاهتمام من د. أسامة الأزهري وزير الأوقاف لإحياء ذكرى كبار القراء في نفوس الأجيال الجديدة، وبث الوعي بآثارهم الخالدة، وإخلاصهم في خدمة كتاب الله؛ حتى أعلى الله شأنهم في العالمين؛ وقد بدأ ذلك بتجهيز المقر الجديد لنقابة القراء، وزيادة المعاشات، وتكريمهم في كل محفل.. وأثق أن د. الأزهري لن يتوانى عن تشكيل لجنة لتعديل قانون النقابة، وتحسين معاشات القراء، وتوفير أماكن لعلاجهم؛ ضمن خطة وزارة الأوقاف طويلة الأجل التي تهدف لتفريخ رؤساء جدد لدولة التلاوة المصرية؛ وهو ما بدأت ثماره الوارفة تظهر جليّة منذ الحلقات الأولى للبرنامج العالمي "دولة التلاوة"، الذي أثبت أن آذان المصريين لا تزال واعية، وأن أذواقهم راقية، وأن وعيهم بتراثهم الديني ومكانتهم الثقافية لا يزال ناضجًا ومدركًا للحظة الفارقة التي تمر بها الأمة الإسلامية.
دولة التلاوة والمسابقة القرآنية السنوية وغيرها من النشاطات الدينية التي تقوم بها وزارة الأوقاف يجب ألا تكون فردية بحكم التخصص؛ وإنما يجب أن تنتقل إلى مكانتها اللائقة من أجندة الأمن القومي الإسلامي الذي ينافح عن تاريخه العظيم في خدمة الإنسانية، من ناحية؛ ويثبت جدارته بالمضي قدمًا في مواجهة تحديات العولمة وآفات التفكيك الحضاري للأمم، من ناحية أخرى.. ثم لا شيء أقوى من كتاب الله نتمسّك به ونشدّ عليه بالنواجذ ليجمعنا حول راية واحدة ويعصم أبناءنا من الغرق في موجات الميديا التافهة.



